الجمهورية السورية الثالثة


ورقة بحثية تراكمية شاركت في إعدادها في مركز الشرق للبحوث. فريق البحث:

  • د. سمير التقي
  • د. عبد الله تركماني
  • حسام ميرو
  • إبراهيم الأصيل
  • منير الريّس

 يمكن الاطلاع على الملف PDF عن طريق الرابط التالي: الجمهورية السورية الثالثة

 
 

وحدها إرادة السوريين قادرة على الوصول لشرعيةٍ توافقيةٍ انتقالية، تسمح بإدخال البلاد في مرحلة إعادة التأسيس للجمهورية الجديدة، وتسمح بالمحافظة على وحدة أراضي البلاد والعقد الوطني السوري الجامع، فلقد انتهى زمن الفرض والقمع والاستبداد العقائدي لكل الهويات الفرعية للمواطنة السورية.

 

افتتاح مجلس النوّاب الجديد – 21 ديسمبر (كانون الأوّل) 1936 (مصدر الصورة: موقع التاريخ السوري)

افتتاح مجلس النوّاب الجديد – دمشق 21 ديسمبر (كانون الأوّل) 1936
(مصدر الصورة: موقع التاريخ السوري)

 

 

أيّة سُلطة لأيّة دولة لأيّ مجتمع؟

الجمهورية السورية الثالثة

 
 
  •         أي عقد وطني سوري مؤسّس

وجدت سوريا الحديثة نفسها بعد الاستقلال مقطّعة الأوصال، شوّهت فيها البنية الاستراتيجية السياسية والاستراتيجية الاقتصادية لبلاد الشام بحسب متطلبات القوى الاستعمارية ومن ثمّ الصراع الدّولي. ومرّ العقد الوطني بمراحل عدّة بعد انهيار الجمهورية الأولى وصولاً إلى الوحدة السورية المصرية لينقطع هذا التطوّر لفترةٍ وجيزةٍ ويُعاد تأسيس الجمهورية السورية الثانية بعد 8 آّذار 1963 مؤسسة لنمطٍ من الحكم الشمولي والشعبوي.

في زمنِ الجمهورية الثانية  نشأ العقد الوطني على الشرعية الثورية، فحكم البعث ومن ثمّ عائلة الأسد عبر ترسيخ مجموعة من القيم تقوم على اشتقاق الشرعية من عوامل خارجيةٍ مثل الأمّة العربية الواحدة وتحرير الأرض إضافةً إلى مهام اجتماعية في محاولةٍ للجمع بين التنمية وعدالة اجتماعية نسبية ألحقت الكثير من التشوّهات على صورة التنمية في البلاد وبنيتها الديموغرافية والثقافية وألحقت الكثير من الضّرر أساساً بمقوّمات الوحدة الوطنية والعقد الوطني المؤسّس بسبب تلك السياسات التعسفية التي تأسست على قمع كلّ الهويات الفرعية وإخضاعها من جهةٍ، وعلى قمع حتّى الانتماء الوطني السوري وإخضاعه لرؤيةٍ عقائديةٍ عدميةٍ لا ترى في سوريا إلا قطباً في مشروعٍ عربيّ تاريخيّ لم يتمكّن حزب البعث من إعطائه أي بعد عمليّ ولا أيّة مصداقيةٍ في الحياة السياسية في البلاد.

وبذلك تأسست شرعية الجمهورية الثانية على منظومة قيمٍ عقائدية (ثورية قومية وطبقية فلاحيّة من حيث الأساس) ومع تمركز السلطة في يد الأسد انتقل حكم البعث تدريجيّاً وتحوّل بعمقٍ من تحالفٍ لقاعدةٍ شعبيةٍ واسعة الجذور من فقراء الريف وبعض شرائح الطبقة المتوسطة المدينية ليغيّر جلده تدريجياً ويتحوّل إلى تحالفٍ بين زمرة أمنية عسكرية نواتها عائلة الأسد ومجموعاتٍ من التجّار الطفيليين المدينيين الذين عاشوا متطفلين على الاقتصاد الريعي وميزانية الدولة واقتصاد الظل وتمركزوا  في دمشق وحلب وبعض المناطق الأخرى.

ومع وصول بشار الأسد إلى السلطة، تسارع هذا الانقلاب وتعمّق في العقد الاجتماعي والعقد الوطني ليتعزّز التحول في طابع الجمهورية السورية الثانية من مجرّد تحالفٍ بين نواةٍ عسكريةٍ مع رجال أعمال طفيليين إلى نظام رأس مالي مافوي احتكاري استبدادي يُطلق العنان لنيوليبرالية دولتية فاسدة وناهبة على شاكلة نموذج مصر-مبارك وروسيا-بوتين.

ولا بدّ من أن ندرك أنّه بالإضافة إلى الأدوات العنفية التي استخدمها النظام وآليات التفكيك المجتمعي ولجمه المنهجي لنموّ كلّ وشائج التضامن المجتمعيّ، مدمّراً آليات التضامن التقليدية وقاطعاً الطريق على نموّ مجتمعٍ مدنيّ حقيقيّ يعوّض شيئاً من شموليّة تحالف الأمن والمافيات، فإنّ النظام قد أسّس منظومة الولاء على آليات الفساد واقتصاد الظل واقتصادٍ أسود تديرها الأجهزة الأمنية وتعيد من خلالها توليد منظومة الولاء ومصالح النظام، إلّا أنّ هذه الروابط تعرّضت لتفككٍ كبيرٍ مع انهيار النظام العام وانكماش دور الدولة إلى الفعل الأمني القمعي المباشر.

وطالما استمرّ الريع المادي المتدفق ثمناً لدوره كبلطجي في إقليمٍ مأزومٍ بفضل عواقب مشاريع سايكس-بيكو وبلفور والحرب الباردة، فقد كان النظام مرتاحاً في إدارة منظومةٍ من الرشوة الاجتماعية وتطويع الوعي والمجتمع عبر آلياتٍ معقدةٍ من الممارسات الأمنية واقتصاد الظل. لكن مع وصول بشار الأسد وإدارته الخفيفة لإرث نظام أبيه الشموليّ، بدأ التشقّق في البنية الجوهرية للنظام وللدولة وللعقد الاجتماعي المؤسّس ناهيك عن تفكّك منظومات الولاء وقيم الهويّة التي حاول تأسيسها النظام الشمولي للأسد الأب، وشاخت وتقادمت وبهتت ثمّ تلاشت هذه المؤسّسات، الأمر الذي خلق فراغاً قيمياً وسياسياً جوهرياً فجّر بشكلٍ غير مسبوق كلّ الهويّات الثانية في غياب أية وشائج للتضامن المجتمعيّ ولتوليد الزعامات الاجتماعية والسياسية بحيث كانت الثورة انتفاضة والانفجار عشوائياً بشكلٍ مدهش، فلقد سار الأفراد بدوافع واحدة، لكن افتقاد الزعامة والرؤية والخبرة السياسية أفقدتهم القدرة على توليد منظور جديد لوحدة السوريين ووحدة البلاد وإعادة إنتاج العقد الوطني المؤسس الذي كرّسه أجدادنا في ثلاثينات القرن الماضي في مواجهة مخاطر التقسيم والتشرذم والبرامج التي سعت إليها السلطات الاستعمارية لتحويل سوريا إلى دولٍ طائفيةٍ مهزومةٍ بالتعريف وتابعة بالتعريف أيضاً.

وبالإضافة إلى العنف تمكن النظام من إعادة إنتاج وتوطيد سلطته من خلال تجديد عقده الاجتماعي ومن خلال استمرار قدرته في الحصول على ريعٍ مادي كبير ثمناً لدوره الوظيفي كـ”بلطجي” في إقليمٍ مأزوم تجري فيها تصفية عواقب مشاريع سايكس- بيكو ووعد بلفور وعواقب الحرب الباردة.

لقد أتاح له ذلك تأمين ريعٍ كبيرٍ وفرته الريوع والمساعدات على مدى أربعين عاماً، وسمح له بتغطية نسبية لفشله التنموي المدقع وأتاح له هذا الريع موازنة التناقضات الاجتماعية وضبط الأمن الاجتماعي.

لقد سمح هذا الوضع للنظام ببناء منظومة فسادٍ عميقة الجذور في المجتمع وكانت لها وظيفة اجتماعية سياسية جوهرية سمحت بإعادة إنتاج منظومة الولاء وتوسيع قاعدة الرشوة الاجتماعية بما يؤمن ضبط وقمع تناقضات الحقل الاجتماعي.

لكن، ومنذ وصول بشار الأسد ولأسبابٍ مختلفةٍ لن نخوض بها جرت جملة من الأمور التي بدلت مناخ الشرعية وقدرات النظام على إعادة إنتاجها، فتراجع الريع بشكلٍ فادح، مما أفرغ القاعدة الاجتماعية للنظام وتخلى النظام عن بقايا الرشوة الاجتماعية في إطارٍ جشعٍ متزايدٍ للاستيلاء على فائض الدخل القومي وفي إطار شعورٍ كاسحٍ بالغرور، وأفلتت منه القدرة على موازنة التناقضات الاجتماعية وانهارت بالمقابل دعاوى التحرير والوحدة كمبررٍ للفشل التنموي. ومضت الشرائح النيو – ليبرالية الفاسدة أبعد من ذلك عبر تصفية الأساس الفكري والسياسي لشرعية النظام حين أطلقت رصاصة الرحمة على ما تبقى من حزب البعث رغم كونه العمود المؤسس لشرعية النظام.

في حين استدرجت الغطرسة السياسية لقمة النظام الخيارات الاستراتيجية والسياسية للبلاد بعيداً عن إطاره العربي وغرق بغير رجعة في منظومة الأمن الإيرانية الإقليمية.

وتآكلت على التوازي مقومات اشتقاق الشرعية من خلال القضية الفلسطينية والوحدة القومية العربية، بدءاً من الحرب على العراق إلى انفراط عقد التحالف السوري السعودي المصري في حين فشل النظام في التقدم خطوة جدية واحدة على طريق تحرير التراب الوطني المحتل في الجولان.

كما بدأت تظهر في المجتمع السوري شروخ عميقة بين الأجيال والطبقات والمناطق وتوسعت المناطق المهمشة والمهملة وظهرت ملامح قوية لتفكك كامل منظومة التضامن الاجتماعي والولاء التقليدية في حين خنق القمع إمكانية تبلور الأشكال المدنية لتضامن المواطنين والولاء والزعامة على صعيد المجتمع بأسره. وبالنتيجة مات القديم ولم يولد الجديد إلا بشكلٍ جنيني ضعيف، فتذرى الإنتماء وتبعثر المجتمع تحت ضغط الأزمة.

  •         الثورة تطيح بأسس “الشرعية الثورية” للنظام والجمهورية الثانية

على هذه الأرضية، وفي غياب أية قيادة سياسية وثقافية قادرة انفجر المجتمع في ثورةٍ من القعر نحو الأعلى فاجأت الجميع ببطولتها وعزمها بل وفاجأتهم بعفويتها وعاميتها. فاستكملت الثورة الإطاحة بالقديم لكن ولادة الجديد لا تزال متعثرة بشكلٍ مقلق. وبذلك فنحن أمام عقد اجتماعي ينهار، مع انهيار التحالف بين رجال الأعمال في المدن مع السلطة وينهار معه أيضاً أساس شرعية هذا النمط.

يعبّر تطور الصدام الراهن عن رغبةٍ أصيلةٍ لدى أوسع قوى الشعب في إقامة جمهوريةٍ سوريةٍ ثالثةٍ والانتقال بالبلاد من عهد الشرعية الثورية بمختلف أشكالها إلى الشرعية الدستورية القائمة على الحكم المدني الديمقراطي.

لكن الإشكال أنه في غياب أي مستوى مقبول من القيادة السياسية واللوجستية بل وغياب الحد الأدنى المقبول للقيادة العسكرية يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن إعادة توليد عقد اجتماعي سياسي جديد يكفل بتحويل حالة الفوضى الراهنة إلى عملية بناءٍ لشرعيةٍ لا تقوم على تعسف منطق الصراع بل على توافقات منطق العقد الوطني. فالأحداث الراهنة توضح استمرار ثبات نسبي في عمل السلطة بحدها الأدنى وفي كفاءة الجيش النظامي. لكن انهيارهما وتحولهما إلى بنى مافيوية محلية خالصة، قد يسرع به تشرذم الجيش بعد دمج الشبيحة في بنيته وبالمقابل يُمكننا أن نسجل فشل الثورة ونخبها وقياداتها العسكرية والمدنية في توليد منظومة ولاء جامعة وحالة من الانضباط الطوعي الجماعي، بما يحقق الحد الأدنى من التوافق والطاعة والانضباط، ويحقق حداً أدنى من حماية المدنيين وإدارة أوضاعهم كحلقةٍ يمكن أن ينعقد عليها عقد الأمة السورية والدولة السورية الحديثة.

يُثير ما نشهده بعد عقودٍ طويلةٍ من التشظي والتذري وتدمير منظومات الولاء والقيم القديمة وانسداد أفق ولادة القوى والقيم المدينة الحديثة، تساؤلات مقلقة حول مستقبل عملية بناء الدولة. فالفردية والعشوائية الطائفية والمحلية والعصبية والتطرف الديني، كل هذه المعاني السلبية جسدت عودة البلاد لحالةٍ هوبزيةٍ من الفوضى المطلقة أشبه بما ساد في أوروبا ما بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر.

إن الاعتقاد بأنه يكفي الحصول على الاعتراف الدولي بهذه السلطة أو تلك بعد سقوط النظام حتى تنشأ اوتوماتيكياً منظومة الطاعة لدى المواطنين في الداخل لهو وهم ساذج عامي. فالشرعية والطاعة تنبعان أولاً وأخيراً من نضجٍ موضوعي أصيل لعوامل توافقٍ وطني داخلي ولزعاماتٍ وطنيةٍ حقيقية. ولئن تمكن نظام البعث من تأسيس جزءٍ من شرعيته على عوامل فوق وطنية فلقد تمكن من تفتيت آليات وبنى الولاء الوطني بشكلٍ يولد حالياً حالة من الفراغ وافتقاد الزعامة بشكلٍ خطير.

ومع دخول الصدام مرحلة الاستعصاء الراهنة ووصولنا إلى مرحلة توزان الضعف في إطار صعود قوى الثورة وتآكل قوى النظام، يستمر المجتمع السوري في تقديم التضحيات الجسيمة، وليصبح التحدي الأكبر الذي سيواجه الجمهورية الثالثة الوليدة هو كيفية نقل السلطة ومفاتيحها من يد الشرعية الثورية الراهنة إلى شرعيةٍ دستوريةٍ ديمقراطية.

إن التمعن في البحث في دوافع القوى التي انتجت الثورة من جهة، وفي شعاراتها ومطامحها ومقوماتها المجتمعية والسياسية من جهةٍ أخرى، يجعلنا نقول أن ما من سلطة ستكتسب شرعيتها إلا بقدر ما تحققه من توافق وطني لمكونات الوحدة والإجماع الوطني، ولما تحققه على المدى المنظور من استجابةٍ لتطلعات المجتمع في التقدم والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

قامت الثورة السورية على ركام مجتمعي ودولتي وسلطوي لتأخذ شكل انتفاضةٍ ولم يتمكّن نظام بشّار الأسد إلا أن ينضح بما فيه ممعناً في تقطيع وتدمير ما تبقّى من بنية وقيم ومؤسسات العقد الوطني السوريّ ومصرّاً على الاستمرار في فرض عقدٍ اجتماعي  بائد وبنية سلطويّة أصبحت من مخلّفات جدار برلين.

 

  •         الأثر الاقتصادي

لم تستطع الحكومات السورية المتلاحقة منذ استلام حزب البعث من السير ببرنامج تنموي شامل قادر على تلبية المتطلبات الأساسية للتنمية المستدامة. وقد عانت القطاعات الاقتصادية كافةً من الأمراض الإدارية المزمنة، مثل انتشار الفساد، البطالة المقنعة، ضعف الإنتاجية. إضافةً إلى زيادةٍ في نسب البطالة والفقر وارتفاع معدلات التضخم، وعدم وجود عدالة في توزيع الثروة.

وقد أدى تبني حزب البعث لاقتصاد السوق الاجتماعي إلى تحول الاقتصاد السوري للعمل بآليات السوق (العرض والطلب) من دون الاهتمام بتوفير شبكات الضمان الاجتماعي المرافقة لهذا التحول، الأمر الذي أفضى إلى تراجعٍ في دور الدولة في الحياة الاقتصادية اليومية، مقابل زيادة في دور القطاع الخاص. كما أدى دخول الدولة في اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول العربية وتركيا إلى تراجع دور القطاع الصناعي المحلي غير المؤهل للمنافسة، وتكبده خسائر كبيرة مقابل دخول السلع العربية والتركية.

وفي هذه المرحلة لم يعد بإمكان بنية الدولة أن تتناسب مع أدوات الإنتاج في العالم بشكلٍ عام، وفي سوريا بشكلٍ خاص. الأمر الذي أدى إلى عجز الحكومة في الاستمرار في سياسات دعم احتياجات المواطن الرئيسية. وبدأت بالانسحاب التدريجي من قطاعاتٍ مثل الصناعة والتجارة والبنوك والتعليم والصحة، ورفع الدعم المقدم للمحروقات، سعياً منها للتخفيف من الاستنزاف الدائم لموارد الدولة.

أظهرت الثورة السورية بشكلٍ جلي فشل الدولة في القيام بعمليات التنمية الاقتصادية والتنموية من خلال التطابق بين المناطق المهمشة المشاركة في الثورة ودرجة نموها الاقتصادي والاجتماعي. وأدت الأحداث الجارية في سوريا إلى تراجعٍ مستمرٍ في المؤشرات الاقتصادية العامة، بسبب تعطل الدورة الاقتصادية من جهة، وبسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة من جهةٍ أخرى. بالإضافة إلى ذلك، أدى استخدام السلطة للخيار العسكري إلى تكبيد الدولة مصاريف إضافية لتأمين عددٍ من الأدوات اللازمة لقمع الثورة مثل (صيانة طائرات، وقود، ذخيرة، رواتب ومكافآت للعناصر والمجموعات المسلحة).

ومن الناحية النظرية، يمكن أن نعزي تبني السلطة للحل العسكري في جوهره إلى رفض النخب لتغيير طبيعة العقد الاجتماعي بناءً على متطلبات تطور المجتمع. وتعطيل عملية تطور النظام الاقتصادي السوري من اقتصادٍ اشتراكي إلى اقتصادٍ ليبرالي اجتماعي (اقتصاد السوق الاجتماعي).

تسبب تبني السلطة للخيار العسكري إلى نشر الدمار الواسع في البنى التحتية في المدن والقرى السورية (طرق، شبكات الكهرباء والهاتف والماء) وإلحاق أضرار جسيمة بالمباني السكنية والتجارية والصناعية. وفي السياق ذاته، أسفر تعطل الدورة الاقتصادية في سوريا وعمليات التهجير إلى زيادة عددٍ العاطلين عن العمل في جميع المحافظات السورية، وقد ترافق ذلك مع انقطاع عددٍ من السلع، وزيادة معدلات التضخم، بسبب ارتفاع أسعار الدولار، والأوضاع الأمنية في المدن.

 

ويمكن تلخيص الأزمة الاقتصادية الراهنة بالنقاط التالية:

–   بروز أزمة غير مسبوقة في توفير الخبز والمحروقات في كافة المحافظات السورية، وبشكلٍ متباين الشدة بين محافظةٍ وأخرى، بسبب نقص الطحين والمازوت والغاز، وصعوبات النقل والتنقل، وازدياد الطلب على هذه المواد في بعض المناطق، بسبب حالة النزوح الداخلي نتيجة الوضع الأمني والعسكري في العديد من المدن والمناطق الأخرى، ما أدى إلى صعوبة الحصول على هذه المواد، وارتفاع أسعارها بشكلٍ جنوني.

–   انخفاض واضح في قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية الذي وصل إلى حوالي 400% مع ارتفاع نسبة التضخم منذ بداية الأحداث في آذار 2011 حتى الآن إلى حوالي70%، ما انعكس على أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية، نتيجة الأسباب التي سبقت الإشارة إليها، إضافة إلى انتشار ظاهرة الجشع والاحتكار وضعف الرقابة والمحاسبة للمخالفين وضعاف النفوس والفاسدين.

–   تردي أوضاع المهجرين حيث  بلغ عددهم حوالي السبعة ملايين نسمة، ومعاناتهم الكبيرة في الحصول على ما يكفيهم من مستلزمات المعيشة، وخصوصًا في فصل الشتاء، وعدم قدرة جهود الإغاثة الحكومية والأهلية على تقديم ما يلزم بالشكل والوقت المناسبين.

–   تفاقم مشكلة البطالة بسبب توقف العديد من المنشآت الإنتاجية والخدمية كلياً أو جزئياً أو تراجع إنتاجها والطلب على خدماتها، وصعوبة الوصول إلى أماكن العمل، بما في ذلك الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وكذلك الإنتاج الصناعي.

–   التخريب والدمار الذي أصاب وما يزال يصيب المنشآت الصناعية والخدمية والبنى التحتية، وبشكلٍ خاص السكك الحديدية، ومحطات توليد وتحويل الكهرباء، وآبار وخطوط نقل النفط والغاز.

–   توقف العديد من المنشآت الصناعية والخدمية، وانتقال عدد منها إلى البلدان المجاورة لأسبابٍ مختلفة، يأتي في مقدمتها الوضع الأمني، ونقص الوقود والكهرباء، وضعف الطلب الداخلي والخارجي.

–   تراجع الإنتاج الزراعي، و لاسيما المحاصيل الزراعية الاستراتيجية، مثل القمح والقطن والشوندر السكري، حيث انخفض الناتج إلى النصف، وبلغ عجز القمح حوالي مليون طن، إضافة إلى تراجع الإنتاج من الخضار والفواكه ونسبة المسوق منها بسبب صعوبة الوصول إلى المزارع والمعامل ومحطات تربية المواشي والدواجن في المناطق المشتعلة، وعدم توفر مستلزمات الإنتاج لها، وصعوبة جني وتسويق منتجاتها وإيصالها لاحقاً إلى مناطق الاستهلاك. إضافةً إلى ارتفاع أسعار الأعلاف، وتهديدها لإنتاج الدواجن والمواشي ومنتجات الألبان، وبالتالي ارتفاع أسعارها.

–   تناهي الحركة السياحية الخارجية والداخلية سواء داخل المدن السورية أو حتى فيما بينها إلى ما يقارب الصفر. إذ انخفضت عائدات السياحة في سوريا بنسبة 75.4% مقارنة بين الربع الأول من عام 2012 ومثيله في عام 2011.

–   استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي بعد توقف مصادره من خلال المقاطعة والمنع والتجميد وانخفاض تحويلات العاملين السوريين في الخارج من جهة، واستهلاكه من أجل مواجهة الاحتياجات الضرورية وكذلك تهريبه خارج البلاد من جهةٍ أخرى، ما يهدد قيمة العملة الوطنية، وبالتالي الوضع الاقتصادي والاجتماعي خلال الفترة القادمة.

–         تراجع القدرة على التصدير، سواء بالنسبة للنفط، أو للمنتجات الصناعية والزراعية الأخرى.

–   ضعف السيولة النقدية لدى الحكومة حتى بالنسبة لتسديد الرواتب والأجور، نتيجة زيادة الإنفاق الأمني والعسكري بسبب الأزمة، وانخفاض الإيرادات الحكومية بسبب توقف تصدير النفط، وعدم تسديد الضرائب والرسوم والقروض ، إضافةً إلى امتناع النمسا عن تسليم العملة السورية المطبوعة لديها، ما أدى إلى التحول لطباعتها في روسيا في الفترة الأخيرة .

المحصلة التراكمية للعوامل الاقتصادية السابقة:

1- أدّى الاندماج العضوي بين الدولة والسلطة من جهة، واعتبار بشّار الأسد للاحتجاجات والثورة على أنّها حربٌ وطنية أُقحم فيها أهله من الموالين، واعتماد سياسات اقتصادية تؤدّي على انكماش دور الدّولة، ليس إلى بعدها السلطوي فحسب، بل إلى بعدها الأمنيّ المطلق، كلّ هذه العوامل أدّت عملياً إلى جملةٍ من الظواهر.

2-  أوّلاً: تداعي حلقة الإنتاج والتبادل وحلقة إعادة توزيع الدّخل في المجتمع ليفقد الاقتصاد الوطني عناصر تكامله ولتتقطّع أوصال عملية الإنتاج والتبادل وتنحدر دوائرها من المستوى الوطني إلى المستوى الإقليمي ومن ثمّ إلى المستوى المحليّ الصغير بحيث أصبحت دوائر التبادل ضيّقة ومحصورة على مستوى مدنٍ وبلداتٍ وقرى وارتدّت فيها حلقة الإنتاج إلى الخلف لتعود إلى أشكال الإنتاج كما في منتصف القرن العشرين لا بل كما  في بداياته .

3- من المقدّر أن أكثر من خمسين ألف رجل أعمال من الطبقة العليا والمتوسطة قد غادروا البلاد ونجح البعض منهم في نقل معامله ومكاتبه سواءً إلى البلدان المجاورة أو إلى مصر. ليس هذا فحسب بل يتمّ بشكلٍ مطّرد الحاق شبه كامل لمناطق واسعة من البلاد التي خرجت عن الهيمنة السياسية للنظام بأقرب اقتصادٍ مجاور، بل أنّ اقتصاد المناطق الساحلية التي لا تزال هادئة بحدّ ذاته يُصبح تدريجياً ملحقاً باقتصاد لبنان من حيث الأساس وينطبق ذلك على كافة المنتجات الصناعية والزراعية آخذين بعين الاعتبار أن الإنتاج الزراعي  قد دُمّر بنسبة لا تقل  عن خمسين بالمئة  وهذا ما اعترف به وزير الزراعة من تدمير أكثر من خمسين بالمئة من البنى التحتية للزراعة، ناهيك عن الانكماش العام في الاقتصاد والذي يقدّر بنسبة لاتقل  عن ثلاثين إلى أربعين بالمئة على شكل انخفاضٍ في الدخل القومي.

4- أدّى تقطيع البلاد إلى دوائر عسكريّة أعطيت فيها صلاحيات مطلقة للقادة العسكريين بما فيها صلاحيات تصريف الحياة اليومية وصلاحيات قضائية وإدارية وعرفية تعسّفية إلى نشوء إمارات حربٍ عزّزت حالة التشظّي الاقتصادي.

5- كما أنّ افتقاد الانضباط ووحدة الرؤية والإرادة وغياب القيادة السياسية الفاعلة لدى قوى الثورة ساهم بدوره في تكريس اقتصادٍ محليٍّ مبنيّ على الاقتصاد الأسود واقتصاد الظل والاقتصاد الموازي وولّد بدوره إمارات حربٍ تعيد إنتاج ذاتها.

  •         الأثر السياسي والوطني

1- أدّى قيام بشّار الأسد بدفع الموالين من أهله إلى بؤرة الصراع إلى خلق شرخٍ عميقٍ في الوعي الوطني للسوريين أجمعين وأدّى إلى حالةٍ لانكسار الوهم في الطابع الجامع والوطني للنظام وولّد شعوراً عميقاً بالغبن والظلم.

2- في محاولةٍ من النظام لاطلاق أبشع أشكال العنف والوحشية بدأ النظام بدفع كتلٍ من المدنيين الموالين الذين يمكن له أن يتنصّل من أفعالهم وارتكاب هذه الكتائب المقاتلة والفوضوية والتي يغلب عليها طابع طائفي محدّد لجرائم نادرة البشاعة إلى كسرٍ عميقٍ في مؤسسات العقد الوطني والتعايش المشترك والثقة المتبادلة بين مختلف شرائح ومكوّنات المجتمع السوري.

3- لقد أدّى اقحام الجيش الوطنيّ في الصراع إلى تحوّله إلى طرفٍ فيه لتطفو من ضمنه حقائق لم يكن المجتمع يدركها بقدرٍ كاف، فالبنية الطائفية الكاسحة للجيش لم تحوّله إلى مجرّد طرف في الصراع بل جعلت منه في نظر قطاعٍ واسعٍ جداً في المجتمع ميليشيا طائفية تخلّت عن مهمتها الوطنية لتصبح أداة قمعٍ داخلية وليصبح الجيش نقيضاً للمجتمع المدني والتمدّن. وأداةً ضدّ المجتمع تستخدمها السلطة الدولة لتكريس منظومةٍ سلطويةٍ بائدة. وينسحب ذات الأمر على أجهزة الأمن واسعة النطاق وعلى كلّ تشكيلاتها الميليشوية المندمجة في أطرٍ خارج البنية النظامية للدولة لتتحوّل إلى ميليشياتٍ بل وعصاباتٍ للخطف والابتزاز وإدارة الاقتصاد الأسود واقتصاد الظل. إن تغوّل هذه المؤسسات جعل منها بالتعريف جوهر الأزمة بحيث لا يمكن تصوّر التقدّم بأي شكلٍ من الأشكال نحو مخرجٍ وطنيّ جامع ينقذ وحدة البلاد من دون تفكيكها بالكامل وإعادة التأسيس لمنظومة الأمن بالانطلاق من البنى القاعدية الصغرى للمجتمع.

4- كما أدّت بعض الأخطاء المرتكبة من قبل بعض المكوّنات العسكرية التي ألحقت نفسها بالثورة (على ندرتها) إلى تعزيز مشاعر الخوف وفقدان الثقة والتخفّز الطائفي والاثني بين مختلف شرائح المكونات في البلاد.

5- أدّى الانتقال القسري لكتلٍ كبيرةٍ من السكّان من مواطن سكناها بما يقدّر بحوالي سبعة مليون شخص نزحوا إلى أماكن أكثر أمناً سواءً داخل المدينة أو في الرّيف أو إلى مناطق تشعرهم أكثر بالأمن داخل البلاد أو خارجها إلى تعميق حالة التفكّك في آليات التضامن والولاء والطاعة بحيث أصبح من المستحيل علينا أن نتصوّر أن تستعاد هذه الطاعة في المدى المنظور قبل حصول تغييرٍ عميقٍ في بنية الدولة ومقوّماتها ومؤسّساتها.

6-  وبناءً على المفهوم الذي قدّمناه في بداية ورقتنا فلقد تواكب تفكيك النظام للبنى الاقتصادية والمجتمعية التقليدية للمجتمع السوري مع الطابع الاستبدادي الشمولي للنظام وقطعه الطريق على أيّ أفقٍ لنموّ حياةٍ مدنيّةٍ تخفّف من وطأة شمولية السلطة التي صهرت الدولة في كيانها فإنّ مجمل العوامل السابقة قد أدّت إلى تشرذمٍ وتشظّي عميق في بنية المجتمع والاقتصاد ودمّرت بشكلٍ شبه كامل آليات الولاء والطاعة المجتمعية وأصبح المجتمع السوري عملياً يعيش حالةً هوبزية يصبح فيها وعي الفرد وقلقه على أمنه الشخصي العنصر الأساسي المؤسّس لسلوكه وردّات فعله على المستوى الفرديّ.

  •         التأسيس لشرعية محليّة

مجمل هذه العوامل متضافرة تجعلنا نعتقد باستحالة إعادة انتاج نظام الدولة المركزية الشمولي. وبغض النظر عن مآلات الصراع الراهن فإنّنا نعتقد أن من المستحيل تصوّر قيام السلطة الراهنة بإدارة سوريا موحّدة في ظروف سلمٍ أهليّ، وإنّ أية محاولة لقسر الحلول والعمل على تثبيت بنى متهالكة من سلطة-الدولة الراهنة لن يؤدّي إلّا إلى سلامٍ ما بعده سلام وحالة من استدامة القتل المتبادل إلى أن تنتهي هذه الحالة الهوبزية من الذعر الجماعي والخوف على الأمن والأمان، وتنتهي حالة الارتهان للخوف لدى الموالين والانتقام لدى الشريحة الطاغية للسوريين الذين عانوا من أعمالٍ وحشيةٍ منقطعة النظير.

إنّنا نعتقد أنّ الوضع الرّاهن يتطلّب إدراك أنّ أيّة فرصة لاستعادة وحدة البلاد واستعادة منظومة الولاء لعلمٍ وقيمٍ مؤسسةٍ وموحدةٍ للجمهورية السورية لا بدّ أن يستند إلى طابعٍ طوعيّ بحت يسمح بالانطلاق من الدوائر الاقتصادية القاعدية لمختلف أقاليم البلاد بما يسمح باستعادة الأمن المحليّ أولاً ودورة الاقتصاد المحليّة ثانياً والبناء على ذلك وصولاً إلى وحدة البلاد.

ولا يمكننا في الوضع الراهن تصوّر عنصر من الشرطة من خارج مناطق معيّنة يدخل إلى هذه المناطق ويحاول فرض سلطته طوعية وفي ظروف سلمٍ أهليٍ، كما يستحيل علينا تصوّر توافقٍ على مختلف القضايا سواءً المناهج المدرسية أو حريّات الإعلام أو غيرها من القضايا التي لم تعد قضايا خلافية فحسب بل أصبحت موضوعاً لمذابح وأعمال قتلٍ جماعيّ وتعذيب وقتل في السجون.

فبعد انهيار الدولة الشمولية لا بدّ من إعادة تأسيس نظام الولاء والطاعة بدءاً من القاعدة، وإعادة تأسيس قيم الديموقراطية بدءاً من مشاركة كلّ مواطنٍ في تحديد القرارات المباشرة التي تمسّه على الصعيد المحليّ، بانتظار أن تولّد العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قوى سياسية وطبقية جامعة تستطيع توليد مجتمعاً مدنياً قويّاً وأحزاباً سياسية قوية وقيادات وزعامات يمنحها المجتمع قدراً كافٍ من الثقة والسلطة. فما سقط في سوريا هو قيم الشمولية الجامعة، وما يجب أن يرتفع فيها هو روح التوافق الطوعيّ المستند إلى المصالح العملية للناس ولقيمهم الثقافية والدينية والوطنية المشتركة.

وبعد ما جرى، لا يمكن لنا بأيّ حالٍ أن نتصوّر أيضاً أي مستوى من سيادة القانون والطاعة الضابطة للقانون ولا قبولاً من المواطنين بالتخلي عن حريتهم لصالح جهاز قمع الدولة ما لم يتمّ إعادة التأسيس لشرعيةٍ محليّةٍ تؤسس وتبنى عليها شرعية وطنية جامعة.

يؤشر مسار الأحداث في سوريا إلى الملاحظات التالية:

–         إن ما قام به النظام الطاغية لم يود به إلا إلى الفشل.

–   تتطور الأمور على الأرض نحو استتباب حالة من التقسيم الفعلي للبلاد، وتفاقم الاضطرابات  وامتدادها إلى دول الجوار الإقليمي،  مثل تركيا، وإيران، أو العراق رغم كل ما قد تجده هذه الدول من مصلحة لها في استمرار حالة الصراع.

–   يصعب جداً بالمقابل تحقق سيناريو الحل الصفري لصالح المعارضة، بمعنى أن تحقق المعارضة فوزاً تاماً ناجزاً مقابل خسارة كاسحة للنظام، واندحار القوى الاجتماعية السياسية التي تقف وراءه.

–   لا توجد فرصة تذكر لتدخلٍ حاسمٍ للقوى القتالية الخارجية نيابة عن المعارضة كما تدخل حلف شمال الأطلسي في البلقان، وبشار الأسد يعرف ذلك.

أحد الآثار المترتّبة على هذه الحزمة من الملاحظات هي أن أفضل فرصة يمكن أن توفرها الجهود الدولية لمستقبل سوريا تكمن في المساعدة على الانتقال للتفاوض، وإدراك أن التفاوض لم يعد منوطاً بسوريا وحدها، فسوريا أصبحت غير قادرة على مساعدة نفسها في الخروج من الثقب الأسود الذي دفعها إليه النظام.

المفتاح للوصول لهذه النتيجة يتوقف على ما يقوم به المجتمع الدولي، وبشكلٍ خاص المفاوضون الأمريكيون والروس بمساعدة الأخضر الإبراهيمي.

من الواضح أن سوريا لو تُركت للعوامل العفوية وللقوى الظلامية فستقترب شيئاً فشيئاً نحو سيناريو التذرّي. وبذلك فإن اكتفاء المعارضة بتكرار ضرورة رحيل الأسد لا يمكن أن يكون استراتيجية بأي شكل من الأشكال، في حين يعلن الأسد ببساطة أنه لن يذهب، بل ويستمر في هروبه إلى الأمام، وفي حشد كل الأدوات والموارد اللازمة لدفع البلاد نحو حالة التذرّي.

تكمن بعض التحديات المركزية في:

  1. البت في كيفية تأمين أجهزة الدولة المركزية لتكون بمثابة قاعدة مؤسسية للانتقال والحكم في المستقبل.
  2. مصير الأشخاص المرتبطين مع الحكومة خلال عقود من حكم عائلة الأسد.
  3. توقيت انخراط القوى الدولية، والذين يصعب من دونهم تصور الانتقال إلى التفاوض حول سوريا جديدة.

ومن الواضح بعد عامين من الثورة السورية أنّه من غير المرجّح لهذه الأدوات وحدها أن تُعطي أيّة نتائج حقّة. فالعمل الناقص لا يُعطي نتائج ناقصة فقط، بل يعطي في السياسة نتائج عكسية، كما حصل حين تُرك البت في مصير تركة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى في اتفاقية فرساي، فبقيت المنطقة مشتعلة لمئة عام. إن السير العملي للأحداث يصبح أخطر، ونحن نلاحظ كيف تفشل الولايات المتحدة في استخدام نفوذها لدى حلفائها الرئيسيين من أجل ضبط سلوكهم تجاه الصراع و مآلاته.

من المهم لتقييم الإيجابيات والسلبيات في سعينا لتحقيق هبوطٍ آمن لعملية كسح قوى النظام، الاعتراف بأن وحشية النظام ساهمت بشكل رئيسي في تحويل المحتجين إلى متمردين مسلّحين، ومن ثمّ تحول بعضهم إلى أمراء الحرب.

وبغض النظر عن حقائق ما يقال عن التطرف لدى بعض الجماعات المسلحة، سواءً فيما يتعلق بأجندتها أو  سلوكها المحلي أو أذرع تمويلها، أو حقيقة أنها بالنتيجة تطمح ببساطة للوصول إلى السلطة، وسواءً كانت المعارضة المسلّحة متماسكة أو أن بعضها يرتكب انتهاكات لحقوق المدنيين الأبرياء، وبغض النظر عن كل تلك المعطيات التي تطرح الكثير من الأسئلة فإنه من الضروري معرفة مواقف مختلف الأطراف ومصالحها، خصوصًا أنه يصعب تصوّر إيجاد “نيلسون مانديلا” بعد كل العنف الذي مارسه النظام.

تتوفر في سوريا مؤسسات مدنية هامة بما في ذلك جهازها الإداري المدني إلى جانب “الدولة الأمنية الخفية”. وعلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة وروسيا أولاً أن يوضحوا تصورهم لمصير البلاد فيما لو تحقق النصر العسكري المباشر للقوى المسلحة وحصل انهيار كامل للنظام. فثمة فرق جوهري بين أن نحاول إسقاط النظام وبين أن نؤسس لمرحلةٍ انتقاليةٍ إيجابيةٍ لمرحلة ما بعد الأسد.

سيُهزم الأسد وزمرته، ولاشك أن عليهم مغادرة الساحة السياسية، ورغم ذلك فنحن نؤكد أن المسار السياسي ليس بديلاً للفوز في ساحة المعركة، بل إن المسار السياسي هو السبيل لاستغلال ومتابعة النجاح العسكري، وتعزيز نمو معارضة سياسية متماسكة.

وطالما أن قوى الثورة لا تمتلك فرصة اللكمة القاضية فإن المهمة الرئيسية سوف تكون  في  إبقاء جذوة الحراك السياسي نشطاً، هذا إن كنّا لا نزال نطمح للخروج بخريطةٍ نعرفها لسوريا التاريخية.

تسير الأوضاع في سوريا، وبخطى متسارعة نحو تشظي الدولة، وانفراط الجغرافيا الاقتصادية والاستراتييجية، وهو ما تمّ التأسيس له عبر أوضاع ميدانية تترسخ مع الوقت:

–         بحكم الأمر الواقع على الصعيد العسكري واستعصائه بحيث لا نتصور تبدلاتٍ حاسمةٍ في خطوط المواجهة.

–         مصالح القوى الإقليمية.

–         انكسار شبه كامل للوحدة الوطنية وانفراط عقد المجتمع.

وإذا كان مصير النظام محتوماً،  فأن مصائر الصراع ومصير البلاد ونجاح التجربة الانتقالية في الوصول إلى حالةٍ من التوافق الوطني ضمن الشروط السابقة تبدو غير محسومة على الإطلاق، وهي تطرح أمام قوى الثورة مهام حاسمة وضرورية وصعبة.

وإذ تدخل سوريا في هذه المرحلة الجديدة كلياً، يبدو أن تطور الأمور يسير في اتجاهين متناقضين. ففي حين يتداعى وضع النظام في الشمال يحاول النظام أن يركز قواه في الجنوب والغرب، وفي طريقه إلى ذلك يعزز الطابع اللامركزي في بنية القرار، ليولد من جديدٍ أمراء حربٍ محليين، ترتبط مصالحهم أكثر فاكثر باستمرار الصراع، وهو ما من شأنه أن يهدد مؤسسة الجيش بالتفتت، لتتحول إلى ميليشياتٍ، تبقى موالية للنظام.

إن السمات العامة للصراع تتلخص بغياب الزعامة مع وجود أجنداتٍ مختلفة، وتعددٍ لمصادر التمويل، وهذا ينطبق على الطرف الموالي كما على المعارض. في الوقت الذي يسعى فيه الغرب وروسيا لإبقاء النزاع صراعاً منخفض الشدة حتى “ينضج”.

وبالرغم من أن تحوّل المعركة الراهنة لحرب طائفية استراتيجية ليس أمراً بديهياً، لكن درء هذه الحرب يتطلب نضالاً وقيادة حية ويقظة متقّدة من “الائتلاف الوطني”.

إن المسار العفوي للأحداث لا يخدم أهداف الثورة،  ولاسيما مع دفع النظام للأمور في اتجاه الحرب الأهلية وتشرذم قوى المعارضة على الأرض، ولو تركت الأمور على هواهها فإنّ مخاطر الحرب الأهلية ماثلة أمام العيان، ولولا وعي الشعب السوري وصلابة بنيته الوطنية لكان مسار الأحداث قد كرّس طائفية الثورة، لكن وعي المجتمع ورجحان رؤية التيار المدني السلمي والتوافقي هو الذي ثبّت البلاد حتى الآن.

إن ذلك يضع على قوى الثورة السورية بما فيها “الائتلاف الوطني” بالطبع، مهام ملموسة، ينبغي دراستها وتحليلها، ووضعها موضع التنفيذ، من أجل مجابهة هذه المخاطر، ذلك لأن النظام وعفوية الحراك يعملان في الاتجاه المضاد. يجب أن ينكسر توازن الضعف لمصلحة الثورة خلال وقت ليس بالبعيد قبل أن تنكسر الدولة والجيش، حتى لو استمر الخنق الراهن للثورة من قبل بعض القوى الخارجية.

بمعنى أنه يجب أن ينكسر التوازن الراهن قبل أن تستكمل الدولة انهيارها، ويستكمل الجيش تفككه، وإذا حصل ذلك يمكن لهذا الانتصار أن يوفر أساساً جدياً يمكن البناء عليه في إعادة إنتاج توافق وطني جامع يشمل كل السوريين ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء، وممن يعملون في البنى الرئيسية للدولة والمجتمع من أجل إعادة التأسيس لشرعيةٍ توافقيةٍ انتقالية، تسمح بإدخال البلاد في مرحلة إعادة التأسيس للجمهورية الجديدة، ويسمح بالمحافظة على وحدة أراضي البلاد والعقد الوطني السوري الجامع.

إننا نعتقد بأن حالة الفوضى في البلاد التي قد تنجم عن انهيار النظام بالتزامن مع انهيار الجيش ومؤسسة الدولة، وفي ظل غياب قيادة سياسية حقيقية للثورة، ستؤدي إلى تعثرٍ كبيرٍ في عملية التأسيس للشرعية الجديدة القائمة على الإجماع الوطني، ما يبشّر بمستقبلٍ سيء للبلاد، حيث يتحوّل الجيش من جيش وطني له اعتباراته إلى حرسٍ شخصي يدافع عن بقاء النظام، وهو ما سيسهم في زيادة انهيار القيم الاجتماعية السورية القائمة على الاعتدال، الأمر الذي سيهدد المجتمع بانقسامٍ حقيقي على أساسٍ طائفي. كما أن استمرار حالة النزوح من مناطق الاحتكاك الطائفي بين السنّة والعلوية، يمهد لسيناريو التطهير الطائفي والإثني.

كل العوامل المذكورة سابقاً ستؤدي إلى انخراط البلاد في حربٍ أهليةٍ إثنيةٍ طائفية يتلاعب فيها أمراء الحرب، والقوى الإقليمية المتصارعة، ذلك أن تداعي منظومات الولاء المحلية وتذريها وتبعثرها وانهيار الاقتصاد المحلي سيقودنا إلى خطر صوملة سوريا، وتفتت المجتمع إلى أصغر وحداته، وسيؤدي ذلك لحالةٍ من الاقتتال، ليس فقط على السلطة والنفوذ، بل على وسائل العيش، وهي الحالة الأسوأ من بين كل السيناريوهات.

القضية الرئيسية تكمن الآن في إنقاذ سوريا. فأية استراتيجية يجب ان ترسمها قوى الثورة كهدفٍ نهائي للمفاوضات؟

لعلنا، بعد كل ما جرى  لم نعد نستطع إعادة التأسيس لعقدٍ وطني ينضم إليه السوريون على أساس دولة مركزية شمولية على النمط الفرنسي القديم إذ لن تكون وحدة سورية ممكنة بعد الآن إلا من خلال عقد وطني طوعي دون خوف أحد من أحد.

يجب الكف عن محاولة إعادة إنتاج هكذا نمط من الدولة فما ذكره بيان الدول الثمانية الكبرى المجتمعة في إيرلندة الشمالية المطالبة بالاحتفاظ بمؤسسات الدولة من جيشٍ وبنيةٍ أمنيةٍ إلا محاولة لإغلاق الأزمة على نفسها لتتعفن من الداخل ومنعها من التأثير على المحيط الإقليمي الذي يُقلق “الكبار” أكثر بكثيرٍ من شلال الدماء السوري.

إن محاولة إخراج حلٍ في سوريا من نمط الحل المبتسر في العراق.  فالأمريكيون تركوا مخلفاتهم ومضوا وتركوا لإيران تكريس انتصار فئةٍ من الشعب العراقي على فئةٍ أخرى ليبقى العراق نهباً لسلامٍ ما بعده سلام بل لحربٍ ما بعدها سلام حتى يتم إسقاط هذا الارث. فلقد كرس الأمريكيون بالتوافق مع إيران دستوراً يؤسس لهزيمةٍ تاريخيةٍ للعرب السنة في العراق ليخرجوا بجلدهم ويتركوا العراق لمصيرٍ نراه اليوم جلياً.

قد يتمنى “الكبار” أن يفعلوا في سوريا كما فعلوا في العراق لكن هذا غير ممكن التحقيق كما أوضحنا أعلاه. فإغلاق الأزمة على عناصر حلٍ فاسدةٍ في أصلها لن يمنع تفشيها للجوار بل سيجعل منها وسيطاً مشتعلاً لكل التناقضات الأثنية والطائفية.

فالجيش لم يعد إلا ميليشيا طائفية وأصبح هو الحلقة الرئيسية للمشكلة ولن يكون هو جزءً من الحل. أما أجهزة الأمن الراهنة فلن تنتج إلا بوتين جديد ونظاماً ما فياويا جديداً لا يمكن أن يعيش إلا على اقتصاد ريعي والريع ما عاد موجوداً لا من النفط ولا من دول النفط  ولا من الاستمرار في بيع دور سوريا كبلطجي في المنطقة والأهم أن أي نظام مافياموي لن يستطيع إعادة توليد السلم الأهلي في ظل انفراط العقد الوطني والعقد الاجتماعي ولن يستطيع إعادة إطلاق عملية التنمية ولا المصالحة الوطنية والاجتماعية.

أما التركيز  على بشار الأسد كجوهرٍ للأزمة أمر خاطئ تماماً من الوجهة التفاوضية فبشار لم يعد أصلاً ذو شأن في الأزمة مهما فعل ومهم تفرد في التسلط. فذهابه لن يوقف الصراع وبقاؤه مؤقت إذ لا يمكننا في أي حالٍ من الأحوال أن نتصوره رئيساً لكل سوريا في ظل سلمٍ أهلي ومن دون قمعٍ وتعذيب.

من خلال هذا التحليل لا يمكننا أن نتصور سوريا دولة موحدة إلا من خلال بناء دولة تتمتع فيها مختلف أقاليم البلاد بقدرٍ كبيرٍ جداً من اللامركزية الإدارية (إن أمكن قبل اندلاع حربٍ طائفيةٍ شاملة). بحيث يمكن التفكير لاحقاً في تعزيز طوعي للوحدة الوطنية السورية والبنية الوطنية الموحدة من خلال الاندماج الطوعي لكل مكوناته. فلقد انتهى زمن الفرض والقمع والاستبداد العقائدي لكل الهويات الفرعية للمواطنة السورية.

ولا يمكن الاستمرار في تجاهل حقيقة أن ما تبقى من بنية الدولة والبلاد غير قابل لأن نؤسس عليه دولة جديدة موحدة. فالولاء والطاعة الوطنية لدى كل الشعوب ليست مفهوماً مجرداً بل هي مفهوم ملموس يتجسد في الدولة وشكلها الراهن وبنيتها الراهنة التي تحولت في حالنا السوري إلى جلد رقيق تلبسه سلطة مضى زمانها.

ولا نتصور ان الضمانات والتعهدات لمختلف الشرائح الأقل عدداً في الوطن السوري سيسمح بالمحافظة على الوحدة المعنوية للبلاد. ويبدو لنا أن وحدة البلاد غير ممكنة إلا عبر توافقٍ وطني يضمن أولاً أمن الشرائح الأقل عدداً من الشعب السوري. أما الأكثريات فعليها أن تثبت قدرتها على خلق التوافق الطوعي الحر وتوفير مقوماته. والسر هو أن علينا تثقيف الأكثرية بحق الأقلية في انضمامها الطوعي المطلق وتثقيف الشرائح الأقل عدداً بأهمية الاتحاد والوحدة. فمع الأخذ بعين الاعتبار فداحة الكارثة، لم يعد بالإمكان اجتراح حل سلمي، إلا بحل تخرج فيه كل هذه المكونات منتصرة، بل حل تبنيه معاً وتشارك في تصميمه كل الهويات المؤسسة للوطن السوري.

لذلك فإننا نعتقد أن شكل أي مخرج للأزمة يجب أن يتأسس بالضرورة على هذه الحقائق المؤسسة على الطوعية وتعدد الهويات والدولة اللامركزية الإدارية، ولابد من بنية وطنية سورية تستند إلى دولة تتمتع بقدر كبير من اللامركزية كأساسٍ إداري (لا طائفي ولا قومي)، تتمكن فيها كل شرائح ومكونات الشعب من إعادة بناء هيكليتها الإدارية المحلية واقتصادها وأمنها وشرطتها وكل بنيتها على أساسٍ محلي. لتنتسب طوعاً ومصلحياً للوطن السوري، ومن خلال تنميتها ونموها في الإطار الوطني.

البديل عن ذلك هو الحل الصفري، بمعنى أن ينتصر نهائياً أحد الطراف. ولا نجد هذا الحل ممكناً إلا بتفتيت البلاد بعدما دمج عهد طويل من النظام الشمولي بنية الدولة في بنية السلطة.

  •        أسئلة برسم المستقبل

تطرح الثورة السورية في متغيراتها الكثيرة سؤال الدولة بشكلٍ رئيسي، فما من شك أن الدولة كما عرفناها بعد الاستقلال، ودولة البعث، لم تعد قادرة على توليد شرعية الحكم، أو تلبية مطالب الشعب، والأهم من ذلك، أن الثورة نفسها،  أوضحت طبيعة الخلل في العقد الاجتماعي والسياسي السوري، واختراقه من قبل بنى تعود إلى ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، فقد طفت على السطح نزعات قبلية، ودينية، ومناطقية، ولا يمكن بأي حال الاكتفاء بإدانة هذه النزعات، فما هو مهم دوماً، معرفة مدى قدرة المجتمع على رأب الصدوع؟ وما هي الأشكال المؤسساتية والإدارية القادرة على توليد عقد اجتماعي وسياسي جديد، وبناء المفهوم الوطني على أسس جديدة؟ وأن تكون الأشكال الجديدة كفيلة بإنتاج مستوى مختلف من العلاقات بين مكونات الشعب السوري، على تنوعها واختلافها، وأن يكون هذا المستوى الجديد، مؤهلاً لإنتاج الدولة ككل.

ثمة أسئلة مفتاحية بهذا الصدد، يجب وضعها نصب أعيننا، ونحن نقوم بعملية تفكر حول شكل الدولة الجديدة، ومنها:

–         هل ما زال السوريون مستعدون لتقديم الطاعة لدولةٍ مركزيةٍ؟

–   هل ما زالت فكرة الجيش الوطني المركزي قادرة على إحداث إجماع من قبل السوريين، بعد أن أصبح الجيش طرفاً في الصراع؟

–   هل يمكن توليد إنتاج تنمية تطال جميع السوريين في ظل الدولة المركزية، من دون إنتاج أخطاء الماضي (تهميش، فساد، تغول)؟

–   كيف يمكن ضمان مشاركة جميع المكونات السورية في إنتاج عملية ديمقراطية، من دون الأخذ بعين الاعتبار تحولات الواقع المحلي خلال الثورة؟

–         هل يمكن إنتاج نظام تعليمي موحد يكتسب صفة الإجماع؟ وهل هو ضروري؟

الأسئلة السابقة هي مجرد أسئلة مفتاحية يمكن أن يتفرع من كل سؤال منها العديد من الأسئلة الأخرى، فمثلاً حين نطرح مسألة الطاعة، فنحن نقف على العديد من المعطيات المتعلقة بطبيعة اشتقاق الدولة لشرعيتها، فمن دون شرعية لا يمكن توليد منظومة الطاعة والولاء، وهذه الأخيرة، هي رهن لعاملين رئيسيين، القوة، والرضا.

إن القوة التي كانت تمتلكها الدولة المركزية لم تعد موجودة اليوم، وحلت محلها قوى متعددة، وتكتسب كل منها قوتها الخاصة محلياً، ويبقى أمامنا مهمة إعادة إنتاج بنية للدولة قائمة على المعطى الجديد، أي حلول القوى المتعددة مكان القوة المركزية القادرة والقاهرة في آن، ومن الصعب تخيل إمكانية عودة الدولة إلى القيام بعملها من دون أن تكون المنظومة الجديدة قائمة على الرضا، أي على الاعتراف بالقوى الجديدة.

إن العديد من المهام ستكون في مواجهتنا ونحن نفكر بشكل الدولة، وهي:

–         تأمين النظام العام.

–         علاقة السلطة المركزية بالقوى الجديدة على الأرض.

–         بنية الميزانية العامة، والعلاقة بين المدن (الأقاليم) والمركز.

–         المسؤولية عن التنمية (مركزية أم محلية؟).

–         صلاحيات الإدارة المحلية في الإدارة، والعلاقة بين السلطة المركزية.

هل يمكن التفكير مجدداً، بعد كل ما أفرزته الثورة من تحولات، التفكير بتأمين النظام العام من خلال الدولة المركزية، وتحديداً من خلال الأمن التابع لسلطة الدولة المركزية؟

بطبيعة الحال، إن المتأمل والمحلل والدارس للتحولات التي وجدت خلال الثورة، يدرك فقدان الدولة المركزية مفهومياً وواقعياً لشرعيتها، كما يدرك من خلال اللوحة السورية خارطة القوى الجديدة (المحلية)، والتي لن يكون بإمكانها الانخراط بعملية بناء الدولة على حساب ما أنتجته من مكاسب، وأولها السيطرة على المناطق، وتحقيق نفوذ محلي قوي، وإدارة شؤون المناطق الخاضعة لها، كما أنه لا توجد إمكانات واقعية لإخضاع هذه القوى، وتالياً فإنه لا بد من الاعتراف بأن مهمة تأمين النظام العام ستكون مهمة لا مركزية بالدرجة الأولى، وستكسب شرعيتها على هذا الأساس، ومن هذا المنطلق ستكون قادرة على تخفيض وتائر الصراع المحتملة لمصلحة العملية التنموية، حيث لن تكون هذه القوى قادرة على تأمين مستلزمات الاقتصاد والتنمية من دون الاستناد على المجتمعين الأهلي والمدني.

بالمقابل، فإن مسألة التنمية في سوريا، كانت من أكثر المسائل إشكالية، خاصة ولاسيما أن الكثير من المدن والأقاليم السورية عانت من تهميش وتمييز في مستحقاتها من العملية التنموية، وقد أصبحت هذه المسألة اليوم بفعل الدمار الكبير الذي أحدثه النظام في البنى التحتية أكثر تعقيداً، لكن يبقى محور عملية التنمية هو مدى مشاركة الأقاليم في هذه التنمية، ومدى استفادتها منها.

إن منطقة مثل الجزيرة السورية، وبحكم ما تختزنه من ثروات نفطية ومائية، كانت عصب الإمداد لباقي سوريا في الطاقة، والمحاصيل (ماء، كهرباء، نفط، قمح، قطن)، لكنها كانت من أقل المناطق حصولاً على مخرجات العملية التنموية، وما ينطبق على الجزيرة قد ينطبق على مدن وأقاليم أخرى بأشكالٍ مختلفةٍ، والسؤال الذي يطرح نفسه على ضوء مستجدات الثورة هو : هل بالإمكان العودة إلى نمط مركزي في عملية التنمية؟ أم أنه لن يكون بالإمكان أساساً قبول الأقاليم بأي عملية تنموية لا تنطلق من الحاجات التنموية للأقاليم نفسها؟

إن المشاركة في بناء ميزانية الدولة، والمشاركة في عملية توزيعها، سيكونان أمران ضروريان، بل ربما حاسمان في توليد طاعة السوريين تجاه دولتهم الجديدة، فمن الذي سيقبل أن يقدم كل من لديه من دون أن يضمن مسبقاً حصته من الذي سيقدمه؟

إن طرح فكرة اللامركزية هو إقرار بوجود مصالح محلية مستقلة عن مصلحة الدولة، وإقرار بحالةٍ من الاستقلال المالي للأقاليم، كما أنه يضمن حالة من الديمقراطية في إدارة الأقاليم عن طريق الانتخابات المحلية، كما يجعل تحمل المسؤوليات ومحاسبة المنتخبين أكبر، خصوصًا أن القدرة على مراقبة عمل المؤسسات في الأقاليم تبقى أكبر منها على مستوى الدولة المركزية.

أما بناء الدولة الديمقراطية التعددية فقد تكون أكثر سهولة في ظل الدولة اللامركزية، خاصة ولاسيما أن مآلات الصراع في سوريا قد تذهب لنا في حال استمرار توازن الضعف بين النظام وقوى الثورة إلى تطييف الصراع، وجعله صراعاً طائفياً بأبعادٍ إقليميةٍ، وهو ما تظهر بوادره منذ فترةٍ وبقوةٍ بين شرائح مختلفة، كما أن طبيعة الولاءات الموجودة اليوم تظهر هيمنة الإقليمي على الوطني.

في ظل دولة لا مركزية يمكن أن تكون هناك الكثير من القوانين الخاصة بالأقاليم، (قوانين محلية لا ترقى إلى مستوى التعميم، لكنها يمكن أن تكون مطابقة لواقع ما بعينه)، وهناك نماذج عدة يمكن الرجوع لها في هذا الصدد.

إن طرح اللامركزية يمكن أن يلبي طموحات التنوع السوري في لوحته الفسيفسائية، ويمكن أن يشكل رافعة للجمهورية الثالثة، كما أنه يعيد مسألة انبثاق الشرعية وتطورها إلى المستويات المحلية، بعد أن أصبح من الصعوبة بمكان توليد منظومة مركزية للشرعية، ومع وجود خلاف فكري حاد في مرجعيات القوى الثورية سياسية كانت أم عسكرية.

About Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

Ibrahim al-Assil is a Syrian political analyst and civil society activist who serves as a resident fellow at the Middle East Institute. He is also a director at the Orient Research Center-DC Office. His work focuses on the Syrian conflict with an emphasis on different aspects of security, civil society, political Islam, and political economy. Al-Assil is the president and a co-founder of the Syrian Nonviolence Movement, an NGO formed in 2011 to promote peaceful struggle and civil resistance as a way to achieve social, cultural, and political change in Syrian government and View all posts by Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

2 responses to “الجمهورية السورية الثالثة

شـاركـنـا رأيـك:

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: