داريّا… للثّورة هنا زهورٌ وجذور


لكلّ شجرة جذور… وان تتبّعت جذور المقاومة المدنيّة لدى الشّعب السّوري فلا بدّ أن تمرّ بواحدة من أهم مراكزها الرّئيسيّة فكرا ونشاطا، أنجبت بضعا من رموز الثّورة وأيقوناتها وقدّمت للحراك افكارا عديدة ونماذج خلّاقة وتميّزت بالنشاطات النوعية حتى صُنّفت كأيقونة للمقاومة الشعبية المدنيّة في الثورة السّوريّة، تجدها في الجنوب الغربي لدمشق… جميلةً صامدةً صابرةً بثوب زفافها الأبيض رغم مصابها… كزوجة غياث مطر في عزائه…

تعود التحديات بين ناشطي داريّا والنظام السوري لعام  2003 بما يُعرف بقضيّة “شباب داريّا” وهم مجموعة من الشباب اللاعنفي تسعى لحل مشاكل المجتمع السّوري من خلال تفعيل دور الشباب في كافة قطّاعات الحياة، انطلقت من دراسات فقهية اسلامية حملت افكارا تجديدية وترافقت بنشاطات مدنيّة. ففي حين كان النشاط المدني في سورية يرزخ تحت قمع النظام السياسي والاجتماعي والأمني، تحدّت مجموعة من شباب المدينة في العشرينيات من أعمارهم كلّ هذا ونظّمت عدّة نشاطات في المدينة كان من أهمّها:

وسرعان ما أدرك النظام السوري خطر أشعة النّور البسيطة على أركان حكمه الظلامي كما أدرك خطر فكرة غياث مطر بتوزيع الزهور على عناصر الأمن وجنّ جنونه، فلا شيء يهدّد وجود الانظمة الديكتاتورية كمحاولات بناء الانسان. تمّ استدعاء 24 شاب على اثر هذه الحملات للتحقيق وبدأت رحلة عذابهم في فرع المنطقة ومرورا بفرع التحقيق العسكري وفرع فلسطين وانتهت بسجن صيدنايا العسكري. أفرج عن بعضهم وحكم 11 منهم بأحكام تراوحت بين 3 إلى 4 سنوات بعد محاكمات عسكريّة ميدانيّة، وقضى بعضهم شهورا طويلة في زنزانات انفراديّة. وليس من الغريب أن نجد أنّ من بين اولئك الشباب العديد من رموز نشطاء الثورة كيحيى شربجي (معتقل منذ 6 أيلول 2011 )  والمهندس أحمد قريطم (معتقل منذ 23 أيلول 2011) وأسامة نصّار ومحمد قريطم وغيرهم كثير. وفي اعتصام 16 آذار 2011 أمام وزارة الدّاخليّة شارك فيه مجموعة من ناشطي داريّا وكانت زوجة أسامة نصّار السيدة ميمونة العمّار حاملا في شهرها السادس وتم اعتقالهم جميعا، وبذلك تكون طفلتهما أصغر معتقلة في الثّورة السّوريّة.

شيخ معتقلي ريف دمشق… عبد الأكرم السقّا

تأثرت مجموعة شباب داريّا بالمدرسة الفكرية للمفكّر جودت سعيد التي ترى أن التغيير الحقيقي يجب أن يكون لا عنفيا فكرا وطريقة، وأن التغيير سنّة اجتماعية تراكميّة، وربّما لذلك اختاروا لحملتهم الآية التي اختارها عنوانا لكتابه {حتّى يغيّروا ما بأنفسهم}. ومن المفكّرين من أبناء مدينة داريّا الاستاذ الشيخ عبد الأكرم السقّا (مواليد 1944) الذي أُوقف قديما عن الخطابة بعد خطبة ألقاها عن “الاصلاح والتعاون”، ومن ثمّ عُزل نهائيا من الخطابة والامامة والتدريس وادارة معهد تحفيظ القرآن بسبب عدم تطرّقه لموضوع وفاة حافظ الأسد عند وفاته عام 2000. لم يمنعه ذلك من الاستمرار في تأليف الكتب وببرنامجه الاجتماعي ونشر أفكاره التي تؤمن بحريّة الفكر ومنهج اللاعنف في التغيير، وافتتح مع بعض طلابه وطالباته مكتبة عامّة للقراءة والثقافة باسم “سبل الاسلام”  وقامت أجهزة الأمن باغلاقها بعد اقبال الناس عليها. صودرت كتبه عام 2003 في قضية “شباب داريّا”  واعتقل لمدّة أحد عشر شهرا. وأعادت اعتقاله في 15 تموز 2011 مع انطلاقة الثورة السّورية وما زال مغيّبا في أقبية المخابرات حتّى اليوم.

مقاومة داريّا

انخرطت داريّا في الاحتجاجات بزخم كبير منذ الاسابيع الاولى، وميّزها تفاعلها الكبير في اضراب الكرامة ومن بعده عصيان الكرامة لتشهد نسب مرتفعة والتزاما كبيرا في اضراب المحلّات التجارية، وأبدع شبابها باغلاق الشوارع والحارات وتوزيع المناشير. كما تميّزت المقاومة المدنيّة في داريّا بالمشاركة الكثيفة لنساء وبنات المدينة وبكثرة الاعتصامات النّسائية مع أطفالهن للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين، وأيضا بمشاركة مسيحييّ المدينة . قرعت كنائس داريّا أجراسها حدادا على شهداء المظاهرات من شهر نيسان 2011، أي بعد حوالي شهر واحد فقط من انطلاقة الثورة، وهذا يتطلّب وقفة وتأنّي لندرس هذا النموذج الدّاراني الذي استطاع جذب كافة أطياف المدينة بمختلف انتماءاتها الدّينيّة والفكريّة. وفي عيد الميلاد الماضي ذهب مجموعة من شباب وفتيات داريّا المسلمين إلى كنيسة المدينة ليباركوا لاخوتهم المسيحييّن ويقدّموا لهم باقات الزهور، وامتنع المسيحيون بدورهم عن الاحتفال تضامنا مع الثورة واوجاعها.
لافتات المظاهرات في داريّا ترجمة للبعد المدني في الاحتجاجات في هذه المدينة، والكثير من اللافتات تدعو للعصيان والاضراب وتوضّح الرسائل التي خرج المتظاهرون لايصالها

This slideshow requires JavaScript.

عنب بلدي

وكنتيجة طبيعية للنشاط في داريّا الذي أدرك مبكّرا أن بناء الانسان والفكر الحُر هو طريق النّصر جاءت جريدة عنب بلدي، والتي تُعرّف عن نفسها ببساطة بأنّها “من كَرْم الثّورة” وبأنّها متنوّعة فكريا كتنوّع العنب في الوانه وطعمه. تُناقش الجريدة قضايا ثورية واجتماعية واقتصادية مختلفة، ويلفت نظرك مقالة كـ “لماذا يخرج الشاب من المعتقل مكللا بالغار وتخرج الفتاة مكللة بالعار؟!” ومناقشة دور الجيش الحر في ظل ميزان القوى ومبادئ الثورة، أمن الاتصالات، الاسعافات الأولية، نصائح ميدانية، شرح لمراحل العصيان، توضيح لوضع الاقتصاد السّوري وأخبار عن الثورة والثوار من هنا وهناك.

شخصيا كان لي احتكاك مباشر مع أهالي داريّا في تمّوز 2006 وقد حُوّلت احدى المدارس لتصبح مركزا لاستقبال اللاجئين من جنوب لبنان، وما زلت أذكر كيف كان الأهالي يتوافدون كلّ يومٍ  للمركز طالبين أن يستضيفوا عائلة او عائلتين من اللاجئين بحسب ما تسمح بذلك بيوتهم، وان لم تسمح أتوا بما استطاعوا من مساعدات غذائيّة أو عينيّة من منازلهم.

للثّورة في داريّا جذور وتحضيرات، هي التي أهّلتها لتقدّم رموزا في التضحية والشجاعة كغياث مطر وطالب السمرة (نمر داريّا) وكلاهما قضيا تحت التعذيب في فرع المخابرات الجويّة، فالثورة كما يؤمن ناشطو داريّا كمالٌ يُسعى له بالتدريج. هناك الآن أكثر من 412 معتقل من داريّا موثّقين بالأسماء معظمهم معتقلين من قبل المخابرات الجويّة التي ركّزت جهود ميليشياتها منذ اندلاع الثورة على المدينة لتمارس أبشع أنواع المداهمات والاعتقالات ونصب الحواجز هنا وهناك، ولكن ذلك لم يزد المدينة إلا اشتعالا ولم يزدها القمع إلا التزاما بالمبادئ التي ثارت لأجلها… لأنّها وكما يقول الشّافعي… “كعودٍ زاده الاحراق طيبا”.

روابط ذات صلة:

قرع أجراس كنائس داريّا حدادا على الشهداء 24-04-2012

قراع أجراس كنائس داريّا أثناء تشييع الشهيد زاهر مبيّض 04-06-2011

قصة طالب السمرة (نمر داريّا) من الجزيرة نت

صفحة جريدة عنب بلدي على فيس بوك

العدد صفر – العدد الأوّل – العدد الثّاني العدد الثّالث

مصدر الصور: من صفحة تنسيقية داريّا

About Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

Ibrahim al-Assil is a Syrian political analyst and civil society activist who serves as a resident fellow at the Middle East Institute. He is also a director at the Orient Research Center-DC Office. His work focuses on the Syrian conflict with an emphasis on different aspects of security, civil society, political Islam, and political economy. Al-Assil is the president and a co-founder of the Syrian Nonviolence Movement, an NGO formed in 2011 to promote peaceful struggle and civil resistance as a way to achieve social, cultural, and political change in Syrian government and View all posts by Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

21 responses to “داريّا… للثّورة هنا زهورٌ وجذور

شـاركـنـا رأيـك:

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: