الأزمة السورية: الحسم في صراع الإرادات


صراع الإرادات

 شاركت في اعداد الدراسة البحثية التالية مع فريق من الباحثين في مركز الشرق للبحوث

.فريق البحث: د. سمير التقي، حسام ميرو، إبراهيم الأصيل، منير الريّس (مركز الشرق للبحوث)


يبدو الصراع الحالي في سوريا مختبراً هاماً لنظرية صراع الارادات، حيث ينتصر من يثبت إرادة أقوى ورؤية أبعد. ففي صراع الإرادات الطرف السلبي هو الطرف الخاسر دوماً.

وفي استعراض للقوى المحيطة بالأزمة السورية نجد أنّ الأطراف المؤثرة هي الأطراف التي أثبتت إرادة صلبة كإيران وروسيا ومؤخّراً اسرائيل، بينما يتراجع دور الدول ذات الإرادة الضعيفة.

أما الإدارة الأمريكية فلا تحتاج إلا لمن يحرّك لها طواحين الهواء، بمعنى أنها تبحث عن تصريحات ومناورات سياسية لكسب الوقت على المدى المنظور حتى تستكمل صفقتها مع روسيا وتتبلور نتائج الانتخابات الايرانية على أقل تقدير.

يعاني أوباما ضغوطاً كبيرة من عديد الأطراف داخل وخارج إدارته لتغيير سياسته السلبية تجاه ما يجري في سوريا، بما في ذلك رموزاً بارزة داخل الحزب الديموقراطي ممّن يرى أن الدور السلبي الذي يلعبه أوباما يضعف من نفوذ الولايات المتحدة ويضرّ بمصالحها على المدى البعيد.

وبالمقابل، فإن اسرائيل ومع انهيار النظام السوري، تخشى أن يقوم النظام وهو يتداعى تدريجياً بتسليم أسلحته لحزب الله، كما سلّم بعضاً من مواقعه إلى الحزب حين انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005.

ويبدو أن الضربة الاسرائيلية الأخيرة على دمشق، بل وما سيليها من ضربات،  لم تكن تستهدف تغيير مآلات الصراع السوري ولا لتغيير مساراته، بل لدرء المخاطر الماثلة في أن تجد اسرائيل حزب الله وقد دجج بالسلاح المتبقي من انهيار وتبدل طبيعة جيش الأسد. ولعلها ترسل رسالة للجميع بأنّها معنيّة بتشكيل الوضع النهائي في سوريا.

تملك اسرائيل إرادة سياسية واضحة، فبعد صمتها الاستراتيجي الطويل، بدأت بالدخول إلى الأزمة السورية ونفّذت ضرباتها المتتالية وآخرها الضربة الاستراتيجية لمواقع في قاسيون وداخل العاصمة دمشق.

أما زيارة وزير الخارجية الايراني إلى الأردن فإنها تدل على أنّ اللاعبين الكبار -كإيران واسرائيل- بدءوا بالنزول بشكل واضح للمشاركة مباشرة في الصراع داخل سوريا، في حين يوحي المشهد باستمرار العطالة الدولية خصوصاً من جهة الولايات المتحدة.

ايران غير مستعدّة لخسارة سوريا قبل أن تحسم مفاوضاتها مع الأمريكيين، بل هي ترى في المفوضات مناسبة لحجز مجالها الاستراتيجي في “يالطا” الجديدة الجارية حول مصائر شعوب المنطقة. وهي في موقع مبادر أكثر من السابق، ولديها رؤية وموقف سياسي وبالتالي تحاول لأن تعود للساحة السياسة بقوة، وهي بذلك مثلها مثل اسرائيل تقوم بأفعال مباشرة دون مواربة، بفضل إرادتها السياسية القوية.

سادت خلال العام الماضي فكرة تقول أنّ دور تركيا آخذ في التصاعد في المنطقة، بينما ينكفئ دور اسرائيل شيئاً فشيئاً. لكن على أرض الإرادات بدأت هذه الفكرة بالتغيير، إذ نشهد ميلاً ايرانياً واسرائيلياً أكثر للفعل، واستكانة تركيّة، تعزّزت مع الضربة الاسرائيلية لدمشق وإرسال الايرانيين آلاف من مقاتلي الحرس الثوري إلى داخل سوريا.

تتسم القوى الاقليمية المجابهة للنظام والممثلة بشكل أساسي بتركيا وبعض الدول العربية بالعطالة وتشوش الرؤية والضعف في التأثير على مجريات الأمور.

فهي لم تحاول امتلاك زمام المبادرة ولا هي تسعى لامتلاكه جدّياً، وتترك بذلك الثورة السورية إلى مصائرها العفوية. كما أن بعض هذه القوى كان دعمها انتقائياً لفصائل الثورة السورية مما أثر سلباً على الأزمة السورية وزاد من تشرذم قوى الثورة على الأرض.

فشلت كل من تركيا وقطر في تقديم رؤية نظرية وعملية لكيفية الاسهام في انتصار الثورة. كما تراجع دور تركيا في الأشهر الأخيرة، بل أصبح للعراق دوراً لا يقلّ تأثيراً عن الدور التركي وهنا نعود لقضية الإرادات بوضوح، فالمالكي شخص يعرف تماماً ما هي أهدافه وتعمل الحكومة العراقية بإرادة صلبة مدعومة ايرانياً.

 

الموقف الروسي الأمريكي:

إن انكفاء الموقف الدولي السياسي من الثورة السورية واضح للعيان، ومن مؤشراته إعادة مصر للقائم بالأعمال بدمشق، بالإضافة إلى مراجعة بعض السلطات الغربية امكانية إعادة تعاونها الأمني بل والسياسي مع النظام السوري. هذا الانكفاء يؤكد فشل المعارضة الخارجية وعلى رأسها الائتلاف الوطني في بلورة نفسها واستثمار المواقع التي احتلها بما ينعكس ايجاباً على الموقف الدولي من الثورة السورية.

تسود قناعة بين الروس والأمريكيين أنه ومع استمرار الفوضى في سوريا ببقاء أو رحيل الأسد، يجب العمل على انضاج الأدوات التي تسمح بإدارة فوضى ما قبل السقوط ليصبح من الممكن إدارة فوضى ما بعد السقوط.

وبعد لقاء لافروف – كيري، يتجه الوضع الدولي حالياً نحو ممارسة ضغط كبير على الثورة السورية من أجل تعليب وابتسار حل يخفّض الضغط على أوباما ويكون أقرب إلى فضّ العتب وسدّ الذرائع منه إلى الحل الحقيقي.

لقد سبق وأن ابتسرت الإدارة الأمريكية مخرجاً يخدمهم للسماح لهم بخروجٍ “نظيف” من العراق لكن ذلك الخروج قد أدى علمياً إلى التأسيس لسلم أهلي عابر ما لبث ان تحول إلى سلامٍ ما بعده سلام ما لم يعاد تأسيس البلاد أو تقسيمها.

يمثل التوافق الأمريكي الروسي في شكله الراهن المطروح خطراً على الثورة السورية ويتمثل هذا الخطر في محاولة وأد الأزمة السورية من خلال السعي فقط لخفض لهيبها لمنع تفشيها بما يهدّد الصفقات الأمريكية الرّوسية. ولتبق سوريا جمراً يأكل أهلها ولا يُسمح له بالخروج عن بؤرته. فلقد أصبح أوباما ينظر إلى سوريا كصداعٍ مزعج يخربط له تصوّراته الوردية عن عالمٍ وهميّ. ولا نتوقع في الحال الراهن أن يتبدل السلوك الأمريكي حتى في حال فشل المفاوضات ونرى أنّ الوعود الأمريكية لدعم الثورة ستبقى وعوداً واهية. في حين يستمر النظام والإيرانيون والروس في التواجد الفعلي على الأرض وإدارة الأزمة من منطق قوة الاحتلال.

لقد تخلت الولايات المتحدة عن قضية الديمقراطية كمحرك حقيقي لسياستها لصالح صفقات كبرى مع الكبار من منطق يالطا الجديدة، وبهذا تنكفئ الولايات المتحدة لمواقع الهزيمة في الحرب الباردة بعد أن كانت قد ربحتها في البريسترويكا.

لا يبدو سلوك الولايات المتحدة مستغرباً. حيث تظهر لنا اتفاقيات طهران (1943)، ويالطا (1945)، كيف تخلت الولايات المتحدة عن قضية الحريات في أوروبا الشرقية سعياً منها لتكريس اتفاقياتها مع ستالين. كما تخلت لاحقاً عن قضية الديمقراطية في موقفها من ثورة المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا ورومانيا في سعيها لحماية هذه الاتفاقيات. وإبان حرب الخليج تخلت الولايات المتحدة عن ثورة الجنوب في العراق.

وعلى الرغم من الفارق الزمني بين تلك الأحداث وبين الثورة السورية فإننا لا نستطيع أن نمنع انفسنا من المقارنة بينها آخذين بعين الاعتبار الفارق الكبير في ميزان القوى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبينها وبين روسيا الآن. ونتذكر هنا أن بوتين ليس ستالين وأوباما ليس ايزنهاور أيضاً. فالقضية بالنتيجة قضية إرادات وفاقد الإرادة هو حتماً خاسر مهما كبر شأنه.

بات واضحاً هو جوهر السياسة الأمريكية الراهنة لأوباما بقضية الديمقراطية ولمنطق الصفقة الدولية ولفلفة الأمور وإخراج اتفاقات مبتسرة للخلاص منها بوصفها أزمة دولية وتركها أزمة منخفضة اللهب بحجة فرض الحل من الخارج. وهو الأمر الذي يهدد صورة الولايات المتحدة وقد يجعلها في نظر الكثيرين بأنها شريك الأوليغارشية الروسية والنظم الاستبدادية.

بل يبدو لنا أن الرئيس بوتين يقرأ سلوك نظريه اوباما على أنه إما غير راغب بالمواجهة مع “حلف الممانعة” أو أنه عاجز عن ذلك.

وبالمقابل فإنه عند التدقيق عميقاً في الموقف الروسي الاستراتيجي من سورية يتبين أن التحالف مع ايران و«حزب الله» تحالف جدي وعازم على تحقيق انتصار متمثل في بقاء النظام في دمشق.

وفي حين يحرص بوتين على أن يكون مؤتمر جنيف2 عنواناً مهماً في العلاقات الروسية – الأميركية – والتي يستخدمها بوتين كشعرة معاوية في إدارة علاقته مع الولايات المتحدة- فالمؤتمر بالنسبة له قد يكون فرصة ذهبية لقيادة روسيا لإدارة ملفات المنطقة إذا استمرت الإدارة الأميركية بالإيحاء لموسكو بأنها في حاجة الى القيادة الروسية وإذا استمرت في التراجع عن مواقفها نحو الرئيس السوري والمعارضة السورية على السواء.

فالتغيير الذي حصل، لم يحصل في الموقف الروسي من الأزمة السورية بل في موقف واشنطن التي تخلّت عن الشرط المسبق بتنحي بشار الأسد فيما لم تتراجع روسيا عن موقفها ببقاء الأسد في السلطة.

فحتى إذا أوكل الأسد كامل الصلاحيات – كما سبق وقال المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي – الى السلطة السياسية الانتقالية، فإنه يبقى كامل الصلاحيات مما يضمن استمرارية الرئيس السوري بصلاحيات كاملة تحت عنوان صلاحيات رئيس الحرب. ويتوقع الروس أن تتم المقايضات لاحقاً مع الولايات المتحدة أو غيرها بما يؤدي الى قدوم من يضمن استمرار النظام ويستبعد كلياً استيلاء المتطرفين (بحسب تعبيرهم) على الحكم.

إزاء هذه السياسة الروسية المتعصبة قومياً واستراتيجياً تتراخى الإدارة الأمريكية تحت شعار الحرب على الإرهاب بل نرى أنها تتحالف مع روسيا وتحاول دمج جهودها مع جهود حلف شمال الأطلسي في محاربة الإرهاب بعد أن أعطى بوتين أوباما بعض رؤوس الخيوط حول عملية بوسطن التي لم تفض إلا عن كشف دوافع فردية وخيوط واهية غير مقنعة مع القاعدة حتى الآن.

بالنسبة لروسيا تشكل سوريا ساحة الحرب التي تعزز من خلالها نفوذها في المنطقة مستفيدة من فقدان العزيمة لدى الطرف الأمريكي. هذه هي مصلحة روسيا وهي تقاتل من أجلها بعزيمة وروح عقائدية عالية في مواجهة ارتخاء شبه كامل للقوى الدولية والإقليمية المناهضة.

الانتصار في الصراع والحرب في النهاية هو انتصار للإرادات، ويبدو لنا أن الإرادة الأمريكية واهية ليس فيها خطوط حمر ولا هي جدية في حقيقة دعمها.

وأمام تشتت المعارضة السورية بين تطرف عسكري لأمثال «جبهة النصرة» وبين صراع بين المدنيين في المعارضة تجد الإدارة الأمريكية في ذلك أفضل ذريعة لها لإلقاء اللوم على المعارضة والقبول بإدارة روسيا للملف للتمسك بالنظام.

ومن سخرية الأقدار، فان هذا السلوك الدولي يدفع الصراع في سورية ليتحول من نضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة إلى صراع مذهبي إقليمي سيتفشى حتما لينسف اتفاقيات يالطا الجديدة وليخرج خارج الأطر التي يضعها الاتفاق الأمريكي الروسي، ولتجد روسيا نفسها امام بلد مبعثر متشظ لن يفيدها فيه لا جيش بشار ولا أجهزته.

إزاء هذا الواقع الدولي ينبغي على الثورة السورية (ولا نقول المعارضة الخارجية)، أن تعيد التفكير في تحالفاتها الدولية والاقليمية، وبناء إرادتها ورؤيتها الخاصة إزاء الإرادات الأخرى خاصة مع تعويل النظام على كسر إرادة الثورة وتشتيت مكوناتها وخلق المزيد من التصدعات بين قواها.

 
 

About Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

Ibrahim al-Assil is a Syrian political analyst and civil society activist who serves as a resident fellow at the Middle East Institute. He is also a director at the Orient Research Center-DC Office. His work focuses on the Syrian conflict with an emphasis on different aspects of security, civil society, political Islam, and political economy. Al-Assil is the president and a co-founder of the Syrian Nonviolence Movement, an NGO formed in 2011 to promote peaceful struggle and civil resistance as a way to achieve social, cultural, and political change in Syrian government and View all posts by Ibrahim al-Assil إبـراهـيـم الأصـيـل

5 responses to “الأزمة السورية: الحسم في صراع الإرادات

شـاركـنـا رأيـك:

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: